كميل شمعون... البطريرك العملاق
 
كلام أحرار | المصدر :الجمهورية - الكاتب : أمين الإعلام في حزب الوطنيين الأحرار- اميل العلية 2016-08-11
منذ أيام مرّت الذكرى السنوية لرحيل الرئيس كميل شمعون في 7 آب 1987، وللمناسبة دعا حزب «الوطنيين الأحرار» إلى المشاركة في القداس الإلهي لراحة نفسه وزوجته زلفا تابت نهار الجمعة 12 آب 2016 في كنيسة سيدة التلة العجائبية في دير القمر الساعة السادسة مساءً.

7 آب ليس يوماً عادياً لكلِّ مَن آمن ويؤمن بلبنان الوطن والدولة، فلبنان الوطن والدولة والشعب بعد كميل شمعون ليس كما كان أيام كميل شمعون، هذا بشهادة التاريخ وكثيرين من أولئك الذين أحبّوه أو لم يحبّوه.

من سخرية القدر أو من دلائل انحطاط هذا الزمن الرديء أنّ كثيراً من السياسيين أو المتعاطين في السياسة عندنا يحلو لهم بين الوقت والآخر تشبيه هذا السياسي أو ذاك بكميل شمعون، تشبيهاتٍ عشوائية تثبت أنّ أيّاً مِن مطلقيها لا يعرف شيئاً عن شخصية ذلك العملاق الذي فهم السياسة والعملَ الوطني بطريقة تختلف جوهرياً عمّا يفهمه كثيرٌ من أولئك الذين «يشتغلون» في السياسة هذه الأيام.

لستُ هنا في وارد سَرد صفات ذلك العملاق. فكميل شمعون الشاهد أبداً للحق لم يتخلَّ عن هذا المبدأ يوماً. كان مِن أوّل وأشرس المدافعين عن القضية الفلسطينية يومَ خذل هذه القضية كثيرٌ من الأشقاء العرب الى درجة أنه عُرف يوماً بفتى العروبة الأغر، وكان أوّل وأشرس الواقفين في وجه القيادة الفلسطينية يوم رأت هذه القيادة أنّ طريق القدس تمرّ في الدامور وجونيه الى درجة أنه كان المقاوم اللبناني الأمرّ.

مدّ كميل شمعون يدَ الصداقة الى الأشقاء السوريين على أمل أن يبادلوا اليد الممدودة بيد ممدودة وأن يكون تعاملهم مع لبنان تعامل الشقيق مع شقيقه لا تعامل السيد مع عبده، وعندما أصرّوا على أنّ لبنان محافظة سورية وبادلوا اليد الممدودة بيد غادرة صافعة وقف في وجههم وعلّمهم أنّ العين اللبنانية الثاقبة تقاوم المخرزَ السوري الأعمى.

صادق كميل شمعون المجتمعَ الدولي وسخّر صداقاته في خدمة هذا الوطن الصغير، فأصبح لبنانُه محورَ الأحداث في المنطقة. لم يدخل لبنان في سياسة المحاور كما يحلو للبعض تزوير التاريخ، لكنّه آمن بحياد لبنان وعمل طوال حياته لتأمين هذا الحياد الإيجابي.

في السياسة الداخلية، لكميل شمعون صولاتٌ وجولاتٌ فهو بطريرك السياسة الذي وزّع حرمانَه على كثير من السياسيين الخطأة، فأدخلهم جحيم النسيان حيث البكاء وصرير الأسنان ونثر بركاته على متفانين في العمل الوطني فأدخلهم معه ملكوت التاريخ.

صاغ تحالفاته على أساس مصلحة بلاده أوّلاً، فأنبت قياداتٍ هنا عملت للبنان وشذّب قيادات هناك لمّا لفحها هوى آتٍ من الخارج فأعمى بصرها وبصيرتها.

وفي زمن الديكتاتوريات والشمولية وهيمنة الرأي الواحد، أسّس كميل شمعون وفي هذا الشرق المنكوب بإنقلابييه المتغطرسين حزباً ليبرالياً عمل من خلاله على نشر الفكر الليبرالي في بيئة بعثية على قومية على ناصرية الى ما هنالك من شعارات بقيت نتيجتها واحدة تأليه الشخص و«عصمنته».

ومَن ينسى موقف كميل شمعون سنة 1980 حين رفض أن يرفع نموره سلاحهم في وجه أخ لهم في الدين والوطن، فأبعد عن مسيحيّي لبنان كأس الانتحار التي ما لبثوا أن تجرّعوها لاحقاً بعد رحيله ليثبت للجميع أنّ الكبارَ يصنعون التاريخ وليس التاريخ مَن يصنع الكبار.

لكميل شمعون كثيرٌ من المحبين ينتشرون في أرجاء الوطن وبين جميع أبناء طوائفه يعرفون جيداً ما قدّم هذا العملاق للبنان ويفتقدونه في زمن الأقزام.

ولكميل شمعون أيضاً أعداء يعادونه بقدر عدائهم للبنان وقد حاربوه وهو حيّ بيننا، فحاولوا اغتياله مراراً وتكراراً وما كلّوا ويكاد كميل شمعون يكون صاحب الرقم القياسي في التعرّض لمحاولات الإغتيال.

وحتّى بعد غيابه لم ينسَ الأعداءُ حقدَهم على كميل شمعون واشبعوا غليلهم من دماء ابنه داني، فاغتالوه مع عائلته في ما يمكن وصفه بأبشع جريمة عرفها الإغتيال السياسي في لبنان.

نعم لبنان واللبنانيون بعد كميل شمعون ليسوا كما لبنان واللبنانيين مع كميل شمعون، السياسة تغيّرت، مفهوم العمل الوطني تغيّر، اللون العنفواني باخ، الهوى الوطني لم يعد ينسّم، الأنانية الضيقة تعملقت والأنا الوطنية تقزّمت.

بعد كميل شمعون نكبنا الله بزعماء دمى جعلوا لبنان وشعبه لعبة تتقاذفها المصالح والرياح الخارجية.

بعد كميل شمعون الزمن تغيّر حتى أخضر الأرز لم يعد كما عرفناه.