"الوطنيون الأحرار" كبيت عريق قيد الترميم
 
نشاطات حزبية | المصدر :المدن - الكاتب :باسكال بطرس 2018-11-16
خلافاً لكلّ الشائعات عن احتمال حلّه، باشر "حزب الوطنيين الأحرار"، أحد أعرق الأحزاب اللبنانية، ورشةً داخلية تقييمية، في سبيل إعادة هيكلة جسمه التنظيمي والإداري، تمهيداً لتثبيت موقعه على الساحة السياسية. وقد شُكّلَ في هذا الإطار، مجلس أمناء مركزي "إنقاذي" مصغّر، سيعمل إلى جانب رئيس الحزب، على ضخ دم جديد في عروق الحزب الذي شهد تصدّعا كبيرا في الفترة الأخيرة، وتراجعت فاعليّته على الساحة، لا سيّما في الوسط السياسي المسيحي.

الثبات ومقاومة الإغراء

هو الحزب الذي أسّسه رئيس الجمهورية الأسبق كميل شمعون إثر انتهاء ولايته عام 1958، وكانت أولويّته وشعاره استقلالية لبنان.

عام 1968 أنشأ الحزب ميليشيا نمور الأحرار، جناحه العسكري، وقد تلقّى الحزب ضربة موجعة بعد خسارة ميليشيا النمور مواقعها إثر هجوم شنّته "القوات اللبنانية" بقيادة بشير الجميل عليها في الصفرا في 7 تموز 1980، ما أدّى إلى حلّها. عام 1985 تولّى داني شمعون رئاسة الحزب خلفاً لوالده، واستمرّ في منصبه إلى أن اغتيل وعائلته في 21 تشرين الأول 1990. فخلفه النائب دوري شمعون، متولّياً رئاسة الحزب.

لطالما كان "حزب الوطنيّين الأحرار" في طليعة الأحزاب التي وقفت سدّاً منيعاً في مواجهة الاحتلال السوري للأراضي اللّبنانية. كان في صلب أحزاب وقوى سياسية عدّة لعبت دورا أساسيا في انتفاضة 14 آذار، والحزب الثابت في مواقفه من حصر السلاح بيد الدولة وترسيم الحدود اللبنانية -السورية وسيادة وحرية لبنان.

في مركز الحزب في السّوديكو، يستقبل نجل مؤسّس الحزب ورئيسه الحالي ضيوفه بحفاوة وابتسامة عريضة لم تستطع التجاعيد التي رسمت خطوط حياته ومعاناته بدقة، أن تخفيها، رغم سنواته السبعة والثمانين. بصوت هادىء وواثق، يقيّم النائب السّابق دوري شمعون حزبه بعد ستّين عاماً على تأسيسه، مؤكّدا أنّ "الثابت الوحيد خلال كل تلك المرحلة، كان ثباتنا وتمسّكنا بقيمنا ومبادئنا رغم كلّ الظروف الصعبة والضغوطات التي واجهتنا من الخارج والداخل، ورغم كلّ الإغراءات التي عُرضت علينا كي نغيّر مسارنا ونلتحق بهم، فما كان منّا إلّا أن زدنا إصراراً وقناعة بالسياسة والمبادىء التي أرساها الرئيس كميل شمعون ". يؤكد شمعون أنّه لا يأبه للثمن الباهظ الذي دفعه ويدفعه الحزب نتيجة موقفه الصارم هذا. يرفض شمعون أي تمويل خارجي من أية جهة أتى. واليوم يحاول الحزب الذي قام في الأساس على مال الجيب للرئيس شمعون، استنهاض نشاطه بالتمويل الذاتي للحزبيين. "إمكانياتنا المادية ضئيلة ولكننا لن نمدّ أيدينا لأحد، وسنبقى "نباطح" بما هو متوفّر، في سبيل لبنان وسيادة لبنان. فنحن أحرار وسنبقى كذلك".

الصعود والهبوط

غير أنّ هذا الواقع أدّى إلى "خربطة" داخلية، على حدّ تعبير شمعون. كثيرون غادروا "الوطنيين الأحرار"، الذي عرف الصعود والهبوط والمراوحة: "لكنّ ذلك لا يعني أنه ليس موجوداً على الأراضي اللبنانية".

تنتقد ترايسي داني شمعون عمّها بسبب تحالفه مع رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع، والذي تؤكد أنّها تملك معطيات تثبت أنه من أمر بقتل والدها الشهيد. لم تكن العلاقة دائما في أحسن حالاتها بين ترايسي ودوري شمعون. وإثر التباعد بينهما خلال السنوات الماضية، أسّست "حزب الديموقراطيين الأحرار". وهي اليوم تعتبر الطرف النقيض من سياسة "حزب الوطنيّين الأحرار"، إذ تنسجم سياستها مع سياسة قوى "8 آذار" والرئيس العماد ميشال عون، الذي عيّنها مؤخرا سفيرة في الأردن. فيما النائب شمعون عالي النبرة في مواجهة هذه القوى ولطالما عارض بشدّة وصول عون إلى رئاسة الجمهورية.

أمّا فيما يتعلّق بسائر الحزبيّين، فيبرّر النائب شمعون للبعض انفصالهم عن الحزب "لأنّو الناس بدّا تعيش"، غير أنّ تسامحه هذا لا يشمل الجميع، "خصوصاً أولئك الوصوليّين الذين لا يسعون إلّا وراء مزيدٍ من السلطة".

ليس عدد المنتسبين إلى الحزب هو المهم هنا، بل نوعيّة هؤلاء، فمن ولد شمعونياً لا يزال، يقول رئيس الحزب المتفائل بمن "بقوا على المبادئ". أريد اليوم أن أختار الحزبيّين الذين يستحقون فعلا أن يكونوا معنا، ولست مستعجلا لديّ ما يكفي من الوقت لاختيار من يفضّلون مصلحة الحزب على المصلحة الشخصية".

لكن الوهج خفّ لصالح أحزاب مسيحيّة أخرى. ويرى شمعون أنه "من الطبيعي أن يخفّ نفوذنا بالنسبة إلى بعض المساعدات والتوظيفات، طالما نحن لسنا في السلطة. لكن مهمّتنا تكمن اليوم في معارضة الأخطاء والجرائم التي ترتكب في حق لبنان واللبنانيين، والمحافظة على مبادئنا. يكفيني أن أنام على وسادتي وضميري مرتاح".

الورشة الداخلية

لا يشبه النائب شمعون والده، الذي كان رجلا سياسيا بامتياز و"يعرف من أين تؤكل الكتف"، فيما شكّل استشهاد داني حملاً كبيراً على عاتق النائب دوري. ولأنه صمّم على تغيير وتحسين واقع الحزب، أصدر رئيس الحزب في أيار 2018 ، قرارا ألغى بموجبه مفاعيل التعيينات الحزبية، وعيّن مجلس أمناء إنقاذي مصغّر، ضمّ كلاً من: الدكتور الياس أبو عاصي أميناً عاماً، الدكتور ريمون مرهج أميناً للداخلية، وأميناً للتربية والثقافة، الأستاذ بيار جعاره أميناً للعلاقات الخارجية والمغتربين، الأستاذ زياد يعقوب أميناً للمالية،  والأستاذ نمر شمعون أميناً للإعلام. على أن يتعاون المجلس مع رئاسة الحزب على إعادة هيكلة الحزب وإعداد مشروع نظام داخلي جديد للحزب، إضافةً إلى تطوير برنامج سياسي يجسّد وحدة المسلك، كحزب وكقيادة، عن مبادئه والمعايير المحدّدة لعمله من جهة خاصّة.

في هذا الاطار، يؤكد أمين الإعلام نمر شمعون، أنّ "أساسات بيتنا الحزبي لا تزال صامدة". لا ينفي شمعون "بعض الأخطاء التكتيكية الداخلية، والتي تجلّت بوضوح في نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة المفجعة، فالخسارة كانت أكبر ممّا توقّعنا، فلا يعقل أن يحصل حزبٌ لديه أكثر من 24 ألف بطاقة حزبية، على حوالى ألفي صوت فقط، علما أنّ شمعون عزف عن الترشّح اعتراضاً على القانون الانتخابي الهجين الذي فُصّل على قياس البعض". 

 

ومن هنا أتى قرار تجديد البطاقة الحزبيّة المعمول به حالياً، فهو إجراء مطلوب من المحازبين جميعاً لتجديد إلتزامهم الحزبيّ وإقراراً منهم بولائهم للإدارة الحزبيّة، وبذلك هو حتماً ليس قراراً بفصل أي محازب من الحزب.