الشرق الأوسط : الرهان على حشر جنبلاط لم يكن في محله وباسيل أخطأ في حساباته
 
صحف | 2019-08-14
 قال أحد الوزراء ممن واكبوا الاتصالات التي توّجت بلقاء المصالحة والمصارحة الذي رعاه رئيس الجمهورية ميشال ‏عون الأسبوع الماضي، بأن مجموعة من المعطيات السياسية والاقتصادية دفعت في اتجاه إسقاط الذرائع التي كانت ‏تحول دون انعقاد اللقاء، وأكد أن المشاركين فيه أعادوا الاعتبار لاقتراح رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي ينطلق ‏من تحقيق المصالحة بصفتها ممراً إلزامياً لوقف تعطيل جلسات مجلس الوزراء‎.‎ 



وأكد هذا الوزير لـ"الشرق الأوسط"، أن ارتفاع منسوب التأزّم الاقتصادي بات يقترب من تجاوز الخطوط الحمر، ‏ويُنذر بإقحام البلد بانهيار اقتصادي ما لم تبادر الحكومة إلى تداركه بسرعة. ورأى أن الاجتماع الاقتصادي والمالي ‏الذي ترأسه رئيس الجمهورية وجاء بالتزامن مع إنجاز المصالحة لم يكن وليد الصدفة، وإنما عكس الواقع الاقتصادي ‏الذي لم يعد يحتمل التأزيم السياسي‎.‎ 


ولفت الوزير نفسه إلى أن الفريق الذي كان يخطط لتطويق ومحاصرة رئيس الحزب "التقدّمي الاشتراكي" وليد ‏جنبلاط من خلال إصراره على إحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي بادر إلى مراجعة حساباته، واضطر إلى ‏سحب "العقوبات" التي كان يهدده بها جنبلاط في مقابل موافقة الأخير على أن يرعى عون لقاء المصالحة بعدما كان ‏يطالب بأن يرعاه بري‎.‎ 


وأكد أن عون قرر أخيراً أن يتبنّى اقتراح بري رغم أنه كان أول من اعترض عليه، وقال إن قيادة "حزب الله" قررت ‏التعامل بمرونة ليس مع اقتراح رئيس المجلس الذي أيّدته على بياض، وإنما لوقف مطالبتها بإحالة حادثة قبرشمون إلى ‏المجلس العدلي، وهذا ما عبّر عنه الأمين العام للحزب حسن نصر الله بقوله في آخر إطلالة متلفزة له بأنه لا بد من ‏بحث هذه القضية في مجلس الوزراء، من دون أن يأتي على ذكر الإحالة‎.‎
كما أن الحديث عن وجود مخطط لاغتيال رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل سرعان ما اختفى من ‏التداول، مع أن رئيس الجمهورية كان أول من طرحه في العلن، وأن الكشف عن هذا المخطط أدى حكماً إلى إحداث ‏تشويش لدى الفريق المناوئ لجنبلاط وتحديداً النائب طلال أرسلان الذي اتهم "التقدّمي" بأنه كان ينصب كميناً ‏لاغتيال الوزير صالح الغريب‎.‎ 


في هذا السياق، قال الوزير نفسه كما يُنقل عنه، إن الفريق الداعم لجنبلاط بقي صامداً، وإن رئيسي البرلمان نبيه بري ‏والحكومة سعد الحريري قالا كلمتهما بصراحة بأن لا مجال لإحالة الحادثة إلى المجلس العدلي، وأن لا جلسة للحكومة ‏في حال أصر البعض على ذلك. ورأى أن صمودهما إضافة إلى الموقف الداعم لكل من حزبي "القوات اللبنانية" ‏و"الكتائب"، شكّل رافعة في مقابل وجود أصوات داخل "تكتل لبنان القوي" برئاسة باسيل لا تحبّذ ما يشاع عن ‏وجود مخطط تارة لاغتيال الغريب وتارة أخرى لاغتيال باسيل‎.‎ 


وتوقف الوزير أمام نفي النائب (من تكتل "لبنان القوي") شامل روكز وجود كمين أو مخطط لاغتيال أحد الوزراء، ‏وكشف عن أن أصدقاء لرئيس الجمهورية ومعظمهم من النواب كانوا أول من نصح بوجوب السيطرة على تداعيات ‏حادثة الجبل والعمل على استيعابها. وسأل الوزير: ماذا ربح أرسلان من المعركة السياسية التي خاضها ضد جنبلاط؟ ‏وقال، لقد جنى حتى الآن ظهوره في الصورة الجامعة للمصالحة في بعبدا مع وعد بأن يُحسب له حساب في التعيينات ‏الإدارية، رغم أن هناك من يتوقع ترحيلها. وأضاف أن حلفاء أرسلان، وتحديداً "التيار الوطني" والفريق الوزاري ‏المحسوب على رئيس الجمهورية، تمكنوا من تثبيته على أنه الندّ لجنبلاط مع اختلاف في ميزان القوى الذي يميل ‏بنسبة عالية لمصلحة الأخير‎.‎ 


ورأى هذا الوزير أن أرسلان سحب من التداول، وفور مشاركته في مصالحة بعبدا، الشروط التي كان وضعها ‏لحضور الوزير الغريب جلسات مجلس الوزراء، وأبرزها إحالة الحادث إلى المجلس العدلي والتصويت عليها في ‏مجلس الوزراء والإعداد لاغتيال الغريب. كما فوجئ أرسلان بمبادرة رئيس الجمهورية إلى الإعلان عن وجود مخطط ‏لاغتيال باسيل، بعد أن وجّه اتهامه إلى الحزب "التقدمي" بالتخطيط لاغتيال الغريب. لذلك؛ فإن حلفاء أرسلان تسببوا ‏له بالإحراج في ظل وجود روايتين حول الإعداد لاغتيال الغريب قبل أن تُسحب ويتم التركيز على استهداف باسيل‎.‎ 


وعليه، فإن عوامل عدة كانت وراء "الانقلاب" في المشهد السياسي فور انعقاد لقاء المصالحة، رغم أن وزير الدفاع ‏إلياس بوصعب الذي شارك في لقاء عون بالوزير الغريب قبل التئام مجلس الوزراء، حاول تهيئة الأجواء إفساحاً في ‏المجال أمام الغريب ليكون له كلمة مختصرة بعد الكلمة التي افتتح بها رئيس الجمهورية الجلسة‎.‎ 


وعلمت "الشرق الأوسط" أن بوصعب سعى إلى جس نبض الوزير أكرم شهيب لعله يحصل على موافقته، لكنه ‏عارض مسعاه بقوة، مؤكداً له بأن الاتفاق الذي أُبرم لتأمين انعقاد الجلسة حصر الكلام بالرئيس. كما أن الحريري بادر ‏إلى التدخّل؛ ما أدى إلى تفويت الفرصة على الغريب ليكون له كلمة بعد عون‎.‎ 


وبالنسبة إلى العوامل والاعتبارات التي كانت وراء تعويم مبادرة بري، علمت "الشرق الأوسط" نقلاً عن مصادر ‏وزارية بارزة، أن هذه العوامل دفعت مناوئي جنبلاط إلى سحب كل اعتراضاتهم بعد صمود بري والحريري وعدم ‏تراجعهما عن موقفهما‎.‎ 


وكشفت المصادر الوزارية، عن أن خصوم جنبلاط أخطأوا في تقدير مدى قدرته على الصمود، وكانوا يراهنون على ‏رضوخه للضغوط التي تستهدفه. وقالت إنهم انطلقوا من تراجع جنبلاط عن إصراره على حصر التمثيل الدرزي في ‏الحكومة بـ"التقدمي" وموافقته على تمثيل أرسلان بالوزير الغريب، وكذلك مبادرته إلى إيداع ملف حادثة الشويفات ‏في عهدة رئيس الجمهورية الذي لم يتمكن من تطويق ذيولها بسبب رفض أرسلان تسليم المتهم بقتل علاء أبو فرج، ‏أي أمين السوقي المتواري عن الأنظار في سوريا‎.‎ 


ولفتت إلى أن خصوم جنبلاط كانوا يراهنون على أن "حزب الله" ماضٍ في معركته إلى جانب أرسلان، لكنهم فوجئوا ‏بأن الحزب الذي لا يخفي انزعاجه من بعض مواقف جنبلاط لن يذهب إلى ما لا نهاية في محاصرته، وقالت إن ‏التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة تحضّ الحزب على توفير الحماية لشبكة الأمان التي تحميه وعدم تعريضها ‏إلى خروق من شأنها أن تؤدي إلى تعطيل الحكومة‎.‎ 


وبكلام آخر، فإن خصوم جنبلاط لم يقدّروا تأييد "حزب الله" وعلى بياض لمبادرة بري؛ لأن السير بها - بحسب ‏المصادر الوزارية - يقطع الطريق على إقحام الصراع الداخلي في لعبة التدويل مع صدور البيان الأميركي، وفيه ‏تشديد على عدم تسييس حادثة الجبل وإخضاعها لمراجعة قضائية عادلة وشفافة‎.‎ 


ورأت المصادر نفسها، أن باسيل لم يكن مرتاحاً للقاء المصالحة. وقالت إن تبرير غيابه بارتباطه بمواعيد سابقة، لا ‏يُصرف في مكان لأنه ليس بعيداً عن التحضيرات التي جرت لإنجاز المصالحة، واعتبرت أن التغريدة التي صدرت ‏عنه بتأييده المصالحة ربما كانت ضرورية من باب رفع العتب. وأكدت أن أرسلان تردّد في الموافقة على المصالحة؛ ‏لأنها خلت من الشروط التي كان وضعها، لكنه استجاب لطلب "حزب الله" الذي ألحّ عليه بالحضور‎.‎ 


وعليه، فإن المصالحة أعادت وصل ما انقطع بين عون وأبرز المكوّنات المشاركة في الحكومة، ويمكن أن تسهم في ‏تعويم الحوار الذي لم يعد قائماً؛ لأن هناك ضرورة للتواصل، فمن غير الجائز استمرار القطيعة بين قوى رئيسة وبين ‏رئيس الجمهورية الذي بات في حاجة إلى إحداث صدمة إيجابية تتيح له أن يكون الحَكَم والجامع بين اللبنانيين بصرف ‏النظر عن الوضع الراهن لباسيل الذي هو على خلاف مع قوى رئيسة، ما عدا "حزب الله" الذي تجمعه به "ورقة ‏تفاهم" وحركة "أمل"، وإن كان تواصله مع قيادتها يقتصر على البحث في كل ملف على حدة‎.‎ 


فهل يستفيد الجميع من المصالحة للمضي في توفير كل ما يلزم لتحقيق الانفراج السياسي ولتدارك تصاعد الأزمة ‏الاقتصادية، أم أن المتضرر منها سيضطر إلى التصرف على أنه خسر جولة، ولا بد من أن يستعد للتعويض عن ‏خسارته، خصوصاً أن المصالحة أُرسيت على حسابات الربح والخسارة بعيداً عن تبادل المجاملات، وبالتالي حشر ‏جنبلاط لم يكن في محله فيما أخطأ باسيل في حساباته